الرئيسية  صحافة و إعلام  

رجل الدولة والسياسة .. الوطني فارس الخوري

2017-06-06

فارس الخوري الشخصية الوطنية، الذي ولد في قرية كفير في العام 1873 في قضاء حاصبيا، لعب دوراً  سياسياً هاماً في مرحلة قيام الحكم العربي في دمشق بعد إنهيار السلطة العثمانية فيها، وفي النضال ضد الاحتلالين العثماني والفرنسي، ما عرّضه للسجن والنفي أكثر من مرة، سواء من قبل جمال باشا السفاح، أو في عهد سلطة الاحتلال الفرنسي، إضافة إلى دوره الهام في تكريس قيم الحياة الوطنية والديمقراطية، في الحياة السياسية السورية بعد مرحلة الاستقلال. عمل باقتدار على رفع اسم سوريا عاليا في المحافل الدولية، سواء من خلال مشاركته في تأسيس الأمم المتحدة وصياغة نظامها الداخلي، أو عبر معارضته للصيغة، التي قام عليها مجلس الأمن الدولي، أو من خلال دفاعه القوي عن القضايا الفلسطينية في الأمم المتحدة أو خارجها.

تميزت شخصيتة بالجد والذكاء وسعة المعرفة، وعكست هذه الصفات مواقفه وأدواره التي لعبها في الحياة السياسية والاجتماعية والوطنية السورية، على مدى أكثر من نصف قرن. تلقى تعليمه العالي في الكلية الإنجيلية السورية التي حملت فيما بعد اسم الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه لم يكمل تعليمه في المرة الأولى بسبب تعيينه من قبل الجامعة كمدرس في المدارس التابعة لها، لذلك عاد مرة ثانية للدراسة فيها، وتخرج من قسم العلوم. عمل بعدها في القسم الاستعادي التابع للجامعة الأميركية معلما للرياضيات واللغة العربية. انتدب للعمل مديرا للمدارس الأرثوذكسية بدمشق، إلى جانب إعطاء الدروس في مدرسة التجهيز( مكتب عنبر)

ولم يتوقف طموحه العلمي عند هذا الحد، فدرس الحقوق بصورة شخصية، ثم عمل بعدها في المحاماة، وفي فترة تالية حصل على شهادة الحقوق، درس الفرنسية والتركية أيضا بصورة شخصية وبرع فيهما وعمل مترجماً في القنصلية البريطانية، وكانت بداية عمله في السياسة مع انتسابه إلى جمعية الاتحاد والترقي التركية عام 1908، ثم عمل إلى جانب يعقوب صروف في مجلة المقتطف في لبنان، قبل أن يغادره إلى دمشق.

وعلى الرغم من تعيينه نائبا عن دمشق في مجلس ( المبعوثان العثماني) فقد قام جمال باشا السفاح باعتقاله بتهمة التآمر على الدولة العثمانية، وكاد يقوم بإعدامه مع مجموعة شهداء السادس من أيار التي علقها السفاح على المشانق في صبيحة ذلك اليوم. سرعان ما ظهرت براءته نفيّ  إلى اسطنبول، ليعمل هناك بالتجارة. بعد هزيمة الأتراك وقيام حكومة فيصل عام 1919 عاد إلى دمشق مع مجموعة من الشخصيات الوطنية منهم شكري الأيوبي والأمير سعيد الجزائري وشارك في رفع العلم العربي على دار الحكومة بدمشق. عين عضواً  في مجلس الشورى، ثم تولى حقيبة المالية في الحكومات الثلاث التي شكلها فيصل، قبل أن يقوم الفرنسيون باحتلال سوريا، وفرض انتدابهم عليها.

عند دخول الفرنسيين إلى دمشق رفض مغادرة البلاد على غرار ما قام به الوزراء والنواب قائلا “نحن أهل البلد، ومن العار أن نتخلى عن مسؤولياتنا”. لعب الخوري إلى جانب رجالات النضال الوطني دوراً مهما في الحركة الوطنية السورية، التي قادت العمل المعارض والمقاومة الوطنية ضد الاحتلال الفرنسي. لذلك تمّ نفيه بسبب هذه المواقف، كما جرى اعتقاله مع مجموعة من الوطنيين السوريين في سجن أرواد، بعد أن استقال من عمله كوزير للتربية، بسبب رفضه للسياسات الفرنسية في هذا المجال. كان رده على ادعاءات الجنرال غورو الذي قاد الحملة الفرنسية لاحتلال سوريا، بأنهم جاؤوا لحماية المسيحيين، بإعلانه الشهادة تأكيداً على وحدة السوريين مسلمين ومسيحيين، ورفضاً  لتلك المزاعم الواهية.

لم تكن ساحة العمل السياسي الوطني وحدها، هي المكان الذي كان فيه صاحب حضور كبير، فقد شارك في تأسيس معهد الحقوق العربي  بعد رحيل الأتراك عن سوريا وعودته من منفاه ،وشغل آنذاك أحد اساتذته ، إلى جانب مشاركته في تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق، والذي يعد من أقدم المجامع اللغوية في الوطن العربي، التي عملت على الحفاظ على اللغة العربية. عمل في سلك المحاماة مع بداية الاحتلال الفرنسي، وأصدر خلال ذلك ثلاثة كتب في القانون، كما انتخب نقيبا للمحامين.

هذه الأدوار الهامة التي لعبها على مستويات مختلفة، ساهمت إلى حدّ كبير في تكريس زعامته وحضوره الكبير في الحياة السياسية السورية، التي كان فيها مثال الشخصية الوطنية، التي تتمتع بتقدير مختلف الكتل والشخصيات السياسية السورية، الأمر الذي فتح أمامها الطريق واسعا لتقلد أرفع المناصب في الدولة السورية، فكانت الشخصية المسيحية الاستثنائية التي لم تستطع أية شخصية أخرى، حتى في أكثر المراحل السياسية، من تاريخ سوريا المعاصر أن تتبوأها  أسس مع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ومجموعته الوطنية حزب الشعب في عام 1925.

كذلك ساهم بشكل فعّال في تأسيس الكتلة الوطنية، التي تبوأ فيها منصب رئيس الكتلة، التي تولت قيادة العمل السياسي المعارض ضد الفرنسيين. ترأس الوفد السوري المفاوض مع فرنسا من أجل الاستقلال في الأمم المتحدة، التي كانت في بداية مرحلة تأسيسها. وعندما عاد استقبل استقبالا حافلا من قبل السوريين.

إن أهمية فارس الخوري بشخصيته متعددة المواهب والأدوار، لا تتأتى من المناصب السياسية الهامة والمؤثرة التي شغلتها في تاريخ سوريا الحديث وحسب، وإنما من مجمل الصفات التي كانت تتمتع بها، فقد كان مفكراً وطنياً  ورجلاً أكاديمياً  وشاعراً  انشغل بالدفاع عن القضايا الوطنية وحقوق الشعب السوري في الاستقلال والحرية بصلابة، ولعل حكايته المشهورة مع المندوب الفرنسي في مجلس الأمن ما يعبر عن ذكائه عندما قام بالجلوس على المقعد الخاص بالمندوب الفرنسي، الذي فوجئ به يحتل مقعده، فطلب منه الانتقال إلى المقعد الخاص بسوريا، لأن هذا المقعد مخصص له، وأشار له إلى المكان المخصص للمندوب السوري، إلا أن فارس الخوري تجاهل ما يقوله المندوب الفرنسي، وأخرج ساعته من جيب سترته وراح يتأمل فيها، بينما المندوب الفرنسي يلح في طلبه، حتى كاد أن يستشيط غضبا، فما كان من فارس الخوري إلا أن أجابه بلغة فرنسية واضحة وصوت جهير سمعه جميع من في القاعة: “بلدي يا سيادة المندوب احتملت احتلالكم لها خمسة وعشرين عاماً ، وأنت لم تحتمل جلوسي على مقعدك 25 دقيقة”.

هذه المواقف المشهودة هي ما أهلته لكي يتبوأ مواقع متقدمة في الحياة السياسية السورية، حتى وصل إلى رئاسة الحكومة التي شغلها ثلاث مرات في مرحلة تولي شكري القوتلي رئاسة الجمهورية السورية ، كذلك شغل منصب رئيس المجلس النيابي ثلاث دورات، إضافة إلى تسلمه وزارات الخارجية والمالية والمعارف، تعدت شهرة الخوري سوريا إلى المحافل الدولية من خلال خطبه ومحاضراته التي كان يلقيها داخل الأمم المتحدة أو خارجها، الأمر الذي جعل مجلس الأمن الدولي ينتخبه عضواً، ومن ثمّة ينتخبه رئيسا للمجلس في عام 1947.

اشتهرت  شخصية فارس الخوري بمظهرها الخاص بالبدلة البيضاء والطربوش الأحمر القصير بالنباهة والبداهة، من خلال ما يروى عنها من قصص ومواقف تكشف عن سرعة بديهة، وذكاء واضح، منها قصته مع بائع الطرابيش في القاهرة، الذي لم يجد عند أحد سواه طربوشاً  كبيراً  يناسب مقاس رأسه. البائع الذي وجد في ذلك فرصة طلب منه سعراً  أعلى لأنه أدرك تعذر وجود هذا المقاس عند بائع آخر، فما كان من الخوري إلا أن أجابه على الفور بأنه لو بحث في كل مكان عن رأس ٍ يناسب هذا الطربوش لما وجده. البائع الذي فوجئ بنباهته وسرعة بديهته قال له هذا هدية مني لك، لكن أريد أن أتعرف إليك، فأجابه: حضرتي رئيس وزراء سورية. اعتزل الخوري الحياة السياسة مع قيام دولة الوحدة، وبقي كذلك حتى وفاته في مطلع شهر كانون الثاني من عام 1962

 

 





عدد المشاهدات: 186


التجريب العبثي!!

التجريب العبثي!!

علي قاسم- رئيس تحرير صحيفة الثورة


إلى الانعزاليين في لبنان: أين «النأي بالنفس» هذه المرة؟..

إلى الانعزاليين في لبنان: أين «النأي بالنفس» هذه المرة؟..

د. مهدي دخل الله - عضو القيادة القطرية للحزب
 



الاستفتاءات
القوائم البريدية
أدخل عنوان بريدك الإلكتروني للاشتراك في نشرة الأخبار


روابط أساسية
البرنامج السياسي لحل الأزمة


إرسال شكوى

يمكنك إرسال شكوى عند الضغط على الرابط التالي

اضغط هنا