حزب البعث العربي الاشتراكي

logo

header-ad

فيتنام وأفغانستان.. وغداً سورية

ما أشبه اليوم بالأمس، مع الفرق الشاسع بين الثرى والثريا، بين المقاومة “الفيتكونغ” التحررية التي نعتز بها و”طالبان” التي لنا عليها عشرات التحفظات وإشارات الاستفهام.

 

ما يجمع الشبه تخلي أمريكا عن الخونة.. “اقتضى التنويه” فقد انهزمت الولايات المتحدة في حرب فيتنام عام 1975 وبدأت بالانسحاب، بدأ خونة فيتناميون بالهروب ولحقوا بهم ليصعدوا معهم بالطائرة خوفاً من انتقام أبناء شعبهم.. وما إن صعد آخر جندي أمريكي حتى قام قائد الوحدة برفس السلم

 

الذي يحمل المتعاونين مردداً «من يخون وطنه وأهله وأبناء جلدته لم ولن يكون وفياً لأي بلد لجوء».. هذه الصورة الصادقة الناطقة التقطها المصور الأمريكي هولبرت فان إس.. واليوم ذات الصورة.. وذات العبارة.. وذات المغزى.. وذات المحتل.. وإن تغيّر الخونة.. فمن شكّك بأن التاريخ لا يعيد

 

نفسه؟ ها هو يعيد نفسه مع ذات المحتل، ولكن مع خائن آخر.. نعم التاريخ لا يكذب وإن زوره بعض الرواة.. ولكن كثيرين أبوا أن يتعلموا، أو لا يريدون، بل يقنعون أنفسهم أن أمريكا الأمس غيرها اليوم، وأن حلفاءها بالأمس غيرهم اليوم، وخونتها وجواسيسها بالأمس غيرهم اليوم، مفترضين أن

 

الإدارة الأمريكية تعلمت من دروس التاريخ والجغرافيا، وأنها تحسن سمعتها.. لكن المحتل المتغطرس من عيار أمريكا لا يتعلم ولا يريد أن يتعلم، بل لا يعنيه الخائن الذي يخون وطنه، لأنه يعرف سعره، وثمن كرامته، لذا فالمحتل يحتل ويسرق ويظلم وينهب ويجند ويقتل بيد أبناء البلد المحتل،

 

ويوشي لهم أنه باق إلى الأبد، ولكن عندما تحين ساعة الصفر، وانتهاء المصلحة السياسية التكتيكية يهرب تحت جنح الظلام ليترك آلاف الخونة والمتعاونين من أبناء البلد أمام مصيرهم..

 

لا شماتة، والصور تنطق “الجزاء من جنس العمل”. وهذا مصير الخونة على مرّ التاريخ.. وما أكثر العبر والدروس لمن يريد أن يعتبر.

 

نعم، صورة الطائرة من هانوي بالعام 1975 هي ذات الصورة، وذات المغزى وذات الرسالة بل طبق الأصل مع طائرة (إس 17 واس 130) الأمريكية العسكرية في مطار حامد كرزاي الدولي في العاصمة “كابول” بتاريخ 5 1 آب الجاري 2021.

 

بعد وضوح هذه الصورة وتساقط الأفغان من أبواب الطائرة الأمريكية وهي في الأجواء وأمام عدسات الكاميرات وأنظار أترابهم هو المشهد الأخير في الكذبة الأمريكية لإقناع الشارع الأمريكي والعالمي، إنها فعلاً منسحبة مجبرة ومرغمة أمام “طالبان”، وليس لخلط الأوراق في هذا البلد الحبيس

 

وإشغال أعدائها التقليديين بدءاً من الصين مروراً بروسيا وصولاً إلى إيران، وترغب بوأد مخطط “الحزام والطريق” في محطته الأهم بين أفغانستان وباكستان وتركمانستان وطاجيكستان وأوزباكستان وهي بذلك تكذب الكذبة وتصدقها.. ورغم يقينها أنها تسيء لقوتها وجبروتها وسمعتها أمام حلفائها..

 

ولكن هذا سوف يتبخر بعد سنوات.. من تحقيق أهداف إستراتيجية.. مقياساً بالأهداف التكتيكية البسيطة هذه. وهي تعلم ذلك فهي تضحي بالقليل من أجل أهداف أكبر. وهذه هي أمريكا.. وهذا منطقها.

 

لست بوارد تعداد الخسائر الأمريكية في أفغانستان منذ احتلالها منذ 20 عاماً والتي بلغت 1000 مليار دولار، ولا عن عتاد وأعداد الجيش الأفغاني الذي تجاوز 300 ألف، ولا عن المبررات الكاذبة التي ساقتها واشنطن لاحتلال “كابول”، ولا عن فاتورة التحالف ورأس حربته «ناتو» لاجتياح

 

أفغانستان لتقليم أظافر «طالبان»، ولا عن سرعة انهيار الجيش والمؤسسات الأمنية والإدارية في أفغانستان خلال ساعات أمام تسونامي «طالبان» التي يقدّر عدد أفرادها بـ/15/ ألفاً حسب «الواشنطن بوست» ولا تملك طائرة أو صاروخاً وجل ما يملكون هو دراجات نارية وسلاح أبيض وبنادق في أحسن الأحوال.

 

 ولن أتكلم عن صورة الطفل الرضيع الأفغاني بحضن جندي أمريكي الذي شغل هذه الساعات الدبلوماسية الأمريكية والغربية وماكينتهم الإعلامية.. ليظهروا جنود «ناتو» رحماء إنسانيين، للتغطية على ما يجري.. وكأن المشكلة فقط في هذا الرضيع، بينما أمريكا وحلفاؤها الغربيون دمروا بلاداً

 

وشرّدوا ملايين العباد داخل بلادهم وفي المهجر.. ولم يرفّ لهم جفن.. بل ما يزالون مصرين على احتلال بلاد أخرى ليس لها ذنب سوى أنها تريد أن تعيش بأمن وكرامة بعيداً عن الهيمنة والسيطرة الأمريكية، وخير دليل هو احتلال الجزيرة السورية التي تشكّل سلة غذاء وماء وكهرباء ونفط وغاز

 

السوريين، وتسرق خيراتها منذ سنوات في رابعة النهار بالتعاون مع مليشيا «قسد» الانفصالية، بل تحتل أراضي أخرى «التنف» لتنصب بها قواعدها العسكرية لإيواء وتدريب وإرسال الإرهابيين لقطع الطرق وترويع السوريين بين فترة وأخرى وتشدد إجراءاتها القسرية أحادية الجانب على السوريين وتحرمهم رغيف الخبز ودواء “كورونا”.

 

ولن أستفيض أيضاً بسلوك «طالبان» 2021 التي بعثت هي الأخرى برسائل غريبة عجيبة “معتدلة” للداخل والخارج فهي لم تعتدِ على وسائل الإعلام الغربية ولا على عناصر «ناتو»، بل قامت بحماية السفارات، وهذا يترك ألف إشارة استفهام وألف سؤال يبحث عن إجابة.

 

ولن أستفيض أيضاً بشرح نية أمريكا والغرب وبعض العربان الاعتراف فيها بعد “منتجة” وتلميع صورتها.. وهذا يؤكد أنها مسرحية معدة بإتقان في مراكز صنع القرارات في غياهب المخابرات الأمريكية والغربية والصهيونية.

 

قصارى القول إن من لم يتعلم من صورة الفيتناميين الأولى الذين كانوا يتعاونون مع الاحتلال الأمريكي وكادوا لأبناء جلدتهم.. ساذج!، ومن لم يتعلم من صور الانسحاب الأمريكي من العراق.. واهم!، ومن لم يتعلم من الهروب الأمريكي المنظم المحسوب المدروس من أفغانستان.. مجنون! وفي الثالثة ثابتة كما يقول المثل.

 

إذا لم تتعلم مليشيا «قسد» من دروس فيتنام والعراق وجب عليها التعلم والاتعاظ من حقيقة ما جرى في مطار “كابول” والولايات الأفغانية الـ34 وتخلي أمريكا والغرب فوراً عن المتعاونين والخونة من الأفغان.. بل إن من استطاع التسلل من الخونة إلى الطائرة (إس17) تم رميه من بابها.

 

هذه هي حقيقة أمريكا، والتاريخ يشهد.. فهل تعود مليشيا «قسد» إلى رشدها بعد درس كابول 15/8/2021.. وبهذا يمكن محاولة التماس العذر لها.. أم تبقى مصرة على خيانتها ومراهنتها على واشنطن.. عندها أقل ما يُقال فيها “جنت على نفسها براقش”.

عارف العلي

اضافة تعليق